رأس المال

دليل شامل: فهم وتطبيق الاقتصاد الدائري في الشركات العربية

يكشف هذا الدليل الشامل عن مفهوم الاقتصاد الدائري وكيف يمكن للشركات في العالم العربي تبنيه لتحقيق الاستدامة والنمو الاقتصادي.

بقلم فهد القحطاني7 دقيقة قراءةالرياض، المملكة العربية السعودية
منظر جوي لمدينة صناعية حديثة صديقة للبيئة تبرز مبادئ الاقتصاد الدائري في العالم العربي.
EchoChase / AI-generated

يمثل الاقتصاد الدائري، وهو نموذج للإنتاج والاستهلاك يتضمن مشاركة وإعادة استخدام وإصلاح وتجديد وإعادة تدوير المواد والمنتجات الحالية لأطول فترة ممكنة، تحولاً جذرياً عن النموذج الاقتصادي الخطي التقليدي القائم على 'خذ، اصنع، تخلص'. يهدف هذا المفهوم إلى تقليل النفايات إلى الحد الأدنى، وإبقاء الموارد في الاستخدام، مما يقلل من الضغط على الموارد الطبيعية ويقلل من الأثر البيئي. في المنطقة العربية، حيث تتزايد التحديات البيئية وتتنامى أهمية الاستدامة، يوفر الاقتصاد الدائري فرصة للشركات لتعزيز الكفاءة التشغيلية، خلق فرص عمل جديدة، وتحقيق ميزة تنافسية على المدى الطويل.

مع تزايد الوعي بأهمية الاستدامة والحاجة إلى الحفاظ على الموارد، أصبح الاقتصاد الدائري، بصفته إطارًا شاملاً لإدارة الموارد، محور اهتمام عالمي ومحلي. لا يقتصر تأثيره على البيئة فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، مما يقدم حلولًا مبتكرة للتحديات التي تواجهها الشركات في طريقها نحو النمو المستدام. يُعد تبني هذا المفهوم ضرورة استراتيجية للشركات الراغبة في الازدهار في بيئة تتطور بسرعة.

ما هو الاقتصاد الدائري ولماذا هو مهم للمنطقة العربية؟

الاقتصاد الدائري (Circular Economy) هو نظام اقتصادي يهدف إلى القضاء على الهدر والاستخدام المستمر للموارد. فبدلاً من النموذج الخطي الذي يعالج المواد الخام ثم ينتج منتجات يتم التخلص منها بعد فترة قصيرة من الاستخدام، يسعى الاقتصاد الدائري إلى إبقاء المنتجات والمواد والموارد في الاستخدام لأطول فترة ممكنة، مما يقلل من توليد النفايات والانبعاثات. هذا يشمل تصميم المنتجات لتكون متينة، قابلة للإصلاح، قابلة لإعادة الاستخدام، وقابلة لإعادة التدوير. وفقًا لتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، يمكن للاقتصاد الدائري أن يضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2050، وهو ما يجعله ذا أهمية خاصة للمنطقة العربية التي تسعى لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن الاعتماد على النفط والغاز.

تعتبر المنطقة العربية، وخاصة دول الخليج، محركًا رئيسيًا للاستهلاك والإنتاج، مما يؤدي إلى مستويات عالية من إنتاج النفايات. على سبيل المثال، تشير دراسة أن المملكة العربية السعودية تولد ما يقارب 15 مليون طن من النفايات الصلبة سنويًا. تبني مبادئ الاقتصاد الدائري يمكن أن يقلل بشكل كبير من هذه الأرقام، ويخلق فرصًا جديدة في مجالات مثل إعادة التدوير، التصنيع العكسي، وتنمية الصناعات الخضراء. كما أنه يتماشى مع رؤى وطنية مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية الإمارات 2021 التي تركز على الاستدامة وتنويع الاقتصاد.

مبادئ الاقتصاد الدائري الثلاثة الأساسية

ترتكز استراتيجية الاقتصاد الدائري على ثلاثة مبادئ رئيسية متداخلة، والتي تشكل خارطة طريق للشركات والمجتمعات لتحقيق الاستدامة الشاملة. هذه المبادئ هي: القضاء على النفايات والتلوث، الحفاظ على المنتجات والمواد قيد الاستخدام، وتجديد الأنظمة الطبيعية.

أولاً، 'القضاء على النفايات والتلوث بالكامل' يعني تصميم المنتجات والعمليات بطرق تمنع إنتاج النفايات والتلوث من البداية. هذا يتطلب تفكيراً تصميمياً مبتكراً يركز على المواد المتجددة، ومواد التعبئة والتغليف الصديقة للبيئة، والعمليات التي لا تنتج مخلفات ضارة. على سبيل المثال، يمكن لشركة أغذية في الأردن تصميم عبوات قابلة للتحلل الحيوي بالكامل لمنتجاتها.

ثانياً، 'الحفاظ على المنتجات والمواد قيد الاستخدام' لأطول فترة ممكنة من خلال الصيانة، الإصلاح، التجديد، وإعادة التصنيع. هذا يقلل من الحاجة إلى استخراج موارد جديدة ويحافظ على القيمة المضمنة في المنتجات. على سبيل المثال، يمكن لشركات الإلكترونيات في دبي إعادة تدوير المكونات القيمة من الأجهزة القديمة بدلاً من التخلص منها، أو تقديم خدمات تأجير للمعدات التي يمكن صيانتها وتجديدها.

ثالثاً، 'تجديد الأنظمة الطبيعية' من خلال العودة بالمغذيات الحيوية إلى الدورة الطبيعية، وتقليل كميات المواد غير المتجددة التي يتم استخدامها، وتعزيز التنوع البيولوجي. هذا المبدأ يشجع على استخدام الطاقة المتجددة، والممارسات الزراعية المستدامة، والمحافظة على البيئات الطبيعية. على سبيل المثال، يمكن لمصانع الأسمنت في مصر استكشاف استخدام بدائل للوقود الأحفوري تتضمن مواد نفايات عضوية.

الاقتصاد الدائري ليس مجرد نموذج لتقليل الهدر، بل هو محرك للابتكار يخلق قيمة جديدة ويفتح آفاقاً اقتصادية غير متوقعة في عالمنا العربي.

د. ليلى عبد الله، خبيرة الاستدامة بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن

كيف يمكن للشركات العربية تبني الاقتصاد الدائري؟

يتطلب الانتقال إلى الاقتصاد الدائري تبني استراتيجيات متعددة الجوانب تتناسب مع طبيعة كل صناعة. يمكن للشركات العربية البدء بإعادة تقييم سلاسل القيمة لديها، بدءاً من التصميم وحتى ما بعد الاستهلاك.

أولاً، 'إعادة تصميم المنتجات والعمليات': يجب على المصممين والمهندسين التركيز على المنتجات التي يمكن تفكيكها بسهولة، وتكون مصنوعة من مواد قابلة للتحلل الحيوي أو المعاد تدويرها. شركة "صبار" للمنسوجات في المغرب، على سبيل المثال، يمكنها أن تنتج أقمشة من مواد عضوية معاد تدويرها، أو تصميم ملابس يمكن إعادة استخدامها أو إصلاحها بسهولة، مما يقلل من النفايات النسيجية.

ثانياً، 'نماذج الأعمال الجديدة': بدلاً من بيع المنتجات، يمكن للشركات توفير المنتجات كخدمة. على سبيل المثال، يمكن لشركة إضاءة في الإمارات أن تؤجر مصابيحها بدلاً من بيعها، وتتولى صيانتها وإعادة تدويرها عند انتهاء عمرها الافتراضي. هذا النموذج يحفز الشركة على تصميم منتجات ذات جودة عالية وعمر افتراضي طويل.

ثالثاً، 'تعزيز التعاون والشراكات': يمكن للشركات العمل معًا في سلاسل التوريد لتحويل النفايات من عملية ما إلى مواد خام لعملية أخرى. على سبيل المثال، يمكن لمصانع الأغذية في مصر تبادل مخلفاتها العضوية مع المزارع القريبة لاستخدامها كسماد.

فوائد تطبيق الاقتصاد الدائري للشركات

يُقدم الاقتصاد الدائري للشركات مجموعة واسعة من الفوائد التي تتجاوز مجرد الامتثال للوائح البيئية أو تحسين صورة العلامة التجارية، فهو قادر على تحقيق قيمة اقتصادية وتشغيلية ملموسة.

من أبرز هذه الفوائد 'تقليل التكاليف التشغيلية'. عندما تتم إعادة استخدام المواد وإعادة تدويرها بدلاً من شراء مواد خام جديدة، تنخفض تكاليف الإنتاج بشكل كبير. على سبيل المثال، يمكن لشركة تصنيع بلاستيك في عُمان أن توفر ما يصل إلى 20% من تكاليف المواد الخام عن طريق استخدام البلاستيك المعاد تدويره بدلاً من البلاستيك البكر، وفقًا لدراسات حالة إقليمية.

بالإضافة إلى ذلك، يساهم الاقتصاد الدائري في 'خلق أسواق وفرص عمل جديدة'. تظهر صناعات جديدة مثل خدمات الإصلاح والتجديد وإدارة الموارد. يمكن أن يخلق هذا الاقتصاد ما يقدر بنحو 70 ألف فرصة عمل جديدة في المنطقة بحلول عام 2030 في قطاعات مثل إعادة التدوير والمعالجة، وذلك حسب تقارير البنك الدولي.

كما يعزز الاقتصاد الدائري 'الاستفادة من الموارد وزيادة مرونة سلاسل الإمداد'. فبدلاً من الاعتماد على استيراد المواد الخام من الخارج، يمكن للشركات الاعتماد بشكل أكبر على المواد المعاد تدويرها محلياً، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسعار واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

تحديات وفرص في المنطقة العربية

على الرغم من الفوائد الواضحة، يواجه تبني الاقتصاد الدائري في المنطقة العربية بعض التحديات. من أبرزها 'نقص الوعي والبنية التحتية'. فكثير من الشركات والمستهلكين لا يزالون يفتقرون إلى فهم عميق لمبادئ الاقتصاد الدائري، كما أن البنية التحتية لجمع النفايات وفرزها وإعادة تدويرها قد تكون غير مكتملة في بعض المناطق. على سبيل المثال، لا تزال معدلات إعادة تدوير النفايات الصلبة البلدية في معظم دول المنطقة أقل من 10%.

الميزةالاقتصاد الخطيالاقتصاد الدائري
استهلاك المواردمرتفع جداً (موارد بكر)منخفض (موارد متجددة ومعاد تدويرها)
توليد النفاياتمرتفع جداًمنخفض جداً (مصمم للتخلص الصفري)
القيمة المضافةتتوقف بعد الاستهلاكمستمرة (من خلال إعادة الاستخدام والتجديد)
سلاسل الإمدادخطية، عرضة للتقلبمرنة، محلية، ومقاومة للصدمات
الأثر البيئيسلبي كبيرإيجابي، تجديدي
مقارنة بين الاقتصاد الخطي والاقتصاد الدائري

ومع ذلك، توجد 'فرص واعدة' للتحول. حكومات المنطقة تضع سياسات داعمة بشكل متزايد، مثل الحوافز الضريبية للمشاريع الخضراء والاستثمارات في البنية التحتية لإعادة التدوير. كما أن زيادة الوعي البيئي بين الشباب وتنامي قطاع التكنولوجيا النظيفة يوفران دفعة قوية للاقتصاد الدائري. يمكن للمدن الذكية، مثل مدينة نيوم في المملكة العربية السعودية، أن تكون نماذج رائدة لتطبيق مبادئ دائرية بالكامل.

معدلات إعادة تدوير النفايات (% من إجمالي النفايات المنتجة) في دول خليجية مختارة (تقديري)

الخطوات التالية: كيف تبدأ شركتك رحلة الاقتصاد الدائري

لبدء رحلة التحول نحو الاقتصاد الدائري، يجب على الشركات اتباع نهج منهجي. أولاً، 'تقييم الوضع الحالي' لتحديد نقاط الضعف والفرص في سلاسل القيمة الخاصة بها، وقياس كمية النفايات الناتجة واستهلاك الموارد. ثم، 'وضع رؤية واستراتيجية واضحة' تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، مثل خفض النفايات بنسبة 30% خلال 5 سنوات، أو زيادة استخدام المواد المعاد تدويرها بنسبة معينة.

ثانياً، يجب 'الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا' التي تدعم الحلول الدائرية، مثل تقنيات الفرز الذكي للنفايات، أو منصات المشاركة للموارد الفائضة. ثالثاً، 'بناء قدرات الموظفين' من خلال التدريب وورش العمل حول مبادئ الاقتصاد الدائري والتفكير التصميمي المستدام. وأخيراً، 'التعاون مع أصحاب المصلحة' بما في ذلك الموردين، العملاء، الجهات التنظيمية، والمؤسسات البحثية لإنشاء نظام بيئي داعم للاقتصاد الدائري.

الأسئلة المتكررة

ما هو الفرق الرئيسي بين الاقتصاد الخطي والاقتصاد الدائري؟

الاقتصاد الخطي يعتمد على مبدأ 'خذ، اصنع، تخلص' حيث يتم استخراج الموارد، تصنيع المنتجات، ثم التخلص منها بعد الاستخدام. بينما يهدف الاقتصاد الدائري إلى الحفاظ على المنتجات والمواد في الاستخدام لأطول فترة ممكنة من خلال إعادة الاستخدام، الإصلاح، التجديد، وإعادة التدوير لتقليل النفايات.

ما هي الصناعات الأكثر استفادة من تطبيق الاقتصاد الدائري؟

تستفيد صناعات متعددة من الاقتصاد الدائري، منها التصنيع، الإلكترونيات، الأزياء، التعبئة والتغليف، والأغذية والمشروبات. هذه الصناعات غالباً ما تولد كميات كبيرة من النفايات وتستهلك موارد طبيعية بشكل مكثف، مما يجعل تطبيق المبادئ الدائرية فيها ذا تأثير كبير.

هل الاقتصاد الدائري مكلف التنفيذ للشركات الصغيرة والمتوسطة؟

قد تكون هناك تكاليف أولية للتحول إلى نموذج دائري، ولكن على المدى الطويل، يمكن للاقتصاد الدائري أن يقلل التكاليف التشغيلية بشكل كبير من خلال تقليل شراء المواد الخام وتكاليف التخلص من النفايات. كما تتوفر حوافز حكومية وبرامج دعم في المنطقة العربية يمكن أن تساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة في هذا التحول.

كيف يمكن للمستهلكين دعم الاقتصاد الدائري؟

يمكن للمستهلكين دعم الاقتصاد الدائري عن طريق اختيار منتجات وماركات مستدامة، إصلاح الأجهزة بدلاً من استبدالها، المشاركة في برامج إعادة التدوير، شراء المنتجات المستعملة أو المؤجرة، وتقليل النفايات في منازلهم. يلعب وعي المستهلك دورًا حيويًا في دفع الشركات لتبني ممارسات دائرية.

ما دور الحكومات في تعزيز الاقتصاد الدائري في المنطقة العربية؟

تلعب الحكومات دورًا حاسمًا من خلال سن التشريعات والسياسات الداعمة، توفير الحوافز المالية، والاستثمار في البنية التحتية لإدارة النفايات وإعادة التدوير. كما يمكنها دعم البحث والتطوير في مجال التكنولوجيا الدائرية وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

هل تبني الاقتصاد الدائري يضمن النجاح التجاري؟

لا يضمن تبني الاقتصاد الدائري النجاح التجاري وحده، ولكنه يمنح الشركات ميزة تنافسية قوية من خلال تقليل التكاليف، فتح أسواق جديدة، وتحسين سمعة العلامة التجارية. الشركات التي تدمج الاستدامة بشكل فعال في استراتيجياتها الأساسية تكون أكثر مرونة وقدرة على الازدهار في المستقبل.

كيف وصلك هذا؟

أبحاث مختارة