المحيط الحيوي

ما هي تحلية المياه، وكيف تؤثر على مستقبلنا البيئي في المنطقة العربية؟

نظرة معمقة على كيفية تحويل مياه البحر المالحة إلى مياه عذبة، التكنولوجيا التي تروي عطش منطقتنا، مع استكشاف تكلفتها البيئية الحقيقية والحلول المستدامة الممكنة.

بقلم كريم الهاشمي6 دقيقة قراءةالرياض، المملكة العربية السعودية
محطة تحلية مياه حديثة وواسعة على ساحل الخليج العربي وقت الغروب، تبرز تكنولوجيا تحلية المياه كحل حيوي لندرة المياه في المنطقة.
EchoChase / AI-generated

تحلية المياه هي عملية تكنولوجية تهدف إلى إزالة الأملاح والمعادن من مياه البحر أو المياه قليلة الملوحة، لتحويلها إلى مياه عذبة صالحة للشرب والزراعة والصناعة. في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعاني من ندرة حادة في الموارد المائية الطبيعية، لا تمثل هذه التقنية رفاهية بل ضرورة استراتيجية. ومع ذلك، فإن هذا الحل الحيوي يأتي مع تحديات بيئية كبيرة، أبرزها استهلاك الطاقة الهائل وتأثير المحاليل الملحية المركزة الناتجة عن العملية على النظم البيئية البحرية.

ما هي تحلية المياه بالضبط، وما هي التقنيات الرئيسية المستخدمة؟

تحلية المياه، ببساطة، هي مجموعة من العمليات الصناعية التي تزيل الأملاح الذائبة من مصدر مياه مالح. الهدف هو إنتاج مياه ذات ملوحة منخفضة جداً (عادة أقل من 500 جزء في المليون)، مما يجعلها مناسبة للاستهلاك البشري. هناك طريقتان رئيسيتان لتحقيق ذلك تهيمنان على الصناعة العالمية اليوم.

التقنية الأولى والأكثر شيوعًا هي التناضح العكسي (Reverse Osmosis - RO). في هذه العملية، يتم استخدام ضغط عالٍ لدفع مياه البحر عبر أغشية دقيقة وشبه نفاذة. هذه الأغشية تسمح بمرور جزيئات الماء بينما تحجب جزيئات الملح الأكبر حجمًا والشوائب الأخرى. لقد أصبحت هذه التقنية هي السائدة بفضل تطورها المستمر الذي أدى إلى خفض استهلاكها للطاقة بشكل ملحوظ مقارنة بالتقنيات الأخرى.

التقنية الثانية هي التحلية الحرارية، وتشمل طرقًا مثل التقطير الومضي متعدد المراحل (Multi-stage flash distillation - MSF) والتقطير متعدد التأثير (Multi-effect distillation - MED). تعتمد هذه الطرق على مبدأ تبخير مياه البحر ثم تكثيف البخار للحصول على ماء نقي، تاركةً الأملاح خلفها. على الرغم من أنها أكثر استهلاكًا للطاقة، إلا أنها غالبًا ما تُستخدم في محطات الطاقة المزدوجة الإنتاج في منطقة الخليج، حيث يتم استغلال الحرارة المهدورة من عملية توليد الكهرباء في عملية التحلية.

التقنيةاستهلاك الطاقة (كيلوواط ساعة/م³)التكلفة التقديرية (دولار أمريكي/م³)أبرز المزايا والعيوب
التناضح العكسي (RO)3 - 50.5 - 1.0كفاءة طاقة عالية، تكلفة رأسمالية أقل نسبيًا؛ حساسة لجودة المياه وتتطلب معالجة أولية دقيقة.
التقطير الومضي متعدد المراحل (MSF)10 - 161.0 - 1.8موثوقية تشغيلية عالية، أقل حساسية لجودة المياه؛ استهلاك طاقة مرتفع جدًا.
التقطير متعدد التأثير (MED)5.5 - 90.8 - 1.5أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة من MSF، أداء جيد في درجات حرارة منخفضة؛ أكثر تعقيدًا من الناحية التشغيلية.
التبلور بالتجميد (FC)6 - 80.7 - 1.2استهلاك طاقة منخفض نظريًا، تآكل أقل للمعدات؛ لا تزال تقنية ناشئة وغير منتشرة تجاريًا على نطاق واسع.
مقارنة بين تقنيات تحلية المياه الرئيسية

لماذا تعتبر تحلية المياه حيوية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

الإجابة تكمن في الجغرافيا والمناخ. منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي أكثر مناطق العالم جفافًا، حيث تضم أكثر من 60% من سكان العالم الذين يعانون من الإجهاد المائي، بينما لا تحتوي إلا على حوالي 1% من موارد المياه العذبة المتجددة في العالم. مع تزايد عدد السكان، والتوسع الحضري السريع، ومتطلبات التنمية الاقتصادية، تتزايد الفجوة بين العرض والطلب على المياه بشكل خطير.

في هذا السياق، لم تعد تحلية المياه خيارًا، بل أصبحت شريان حياة. دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر وإسرائيل تعتمد بشكل كبير على المياه المحلاة لتلبية ما يصل إلى 90% من احتياجاتها من مياه الشرب. تستضيف المنطقة ما يقرب من 50% من القدرة الإنتاجية لتحلية المياه في العالم. محطات عملاقة مثل "رأس الخير" في السعودية و"جبل علي" في دبي هي شهادات على حجم هذا الاعتماد، حيث تنتج كل منها مئات الملايين من الجالونات من المياه العذبة يوميًا.

التحدي الذي نواجهه اليوم ليس فقط في إنتاج المزيد من المياه لتلبية الطلب المتزايد، بل في القيام بذلك بطريقة مستدامة لا تضر بصحة النظم البيئية البحرية التي نعتمد عليها في المقام الأول.

الدكتورة سارة العامري، باحثة في مركز أبحاث المياه، جامعة مصدر

ما هي التكاليف البيئية الرئيسية لعملية تحلية المياه؟

على الرغم من أهميتها، فإن لعملية تحلية المياه وجهًا آخر أقل إشراقًا يتمثل في تأثيرها البيئي. التحدي الأكبر هو استهلاك الطاقة. تتطلب عمليات التحلية، وخاصة التناضح العكسي، كميات هائلة من الكهرباء. في منطقة لا يزال معظم إنتاجها من الكهرباء يعتمد على الوقود الأحفوري، يعني هذا أن كل متر مكعب من المياه المحلاة يأتي مع بصمة كربونية كبيرة، مما يساهم في تفاقم مشكلة تغير المناخ التي تزيد من حدة ندرة المياه في الأصل.

التحدي البيئي الثاني لا يقل خطورة وهو "المحلول الملحي المركز" (Brine). كمنتج ثانوي أساسي لعملية التحلية، يتم إنتاج ما يقرب من 1.5 لتر من هذا المحلول شديد الملوحة مقابل كل لتر من المياه العذبة. يتم تصريف معظم هذا المحلول الملحي، الذي يحتوي أيضًا على مواد كيميائية متبقية من عملية المعالجة، مرة أخرى إلى البحر. هذا يؤدي إلى زيادة ملوحة ودرجة حرارة المياه في المناطق الساحلية القريبة، مما يخلق "مناطق ميتة" تضر بالكائنات البحرية الحساسة مثل الشعاب المرجانية ومنابت الأعشاب البحرية.

هل يمكن جعل تحلية المياه أكثر استدامة؟

محطة تحلية مياه حديثة وواسعة على ساحل الخليج العربي وقت الغروب، تبرز تكنولوجيا تحلية المياه كحل حيوي لندرة المياه في المنطقة.
نظرة معمقة على كيفية تحويل مياه البحر المالحة إلى مياه عذبة، التكنولوجيا التي تروي عطش منطقتنا، مع استكشاف تكلفتها البيئية الحقيقية والحلول المستدامة الممكنة.EchoChase / AI-generated

نعم، والجهود العالمية والإقليمية تتجه بقوة نحو هذا الهدف. يكمن مفتاح الاستدامة في محورين رئيسيين: خفض استهلاك الطاقة وإيجاد حلول مبتكرة لإدارة المحلول الملحي. على صعيد الطاقة، هناك تحول متزايد نحو تشغيل محطات التحلية باستخدام مصادر الطاقة المتجددة. مشاريع طموحة مثل مدينة "نيوم" في المملكة العربية السعودية تهدف إلى تشغيل محطات التحلية الخاصة بها بالكامل عبر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما يلغي البصمة الكربونية للعملية.

بالإضافة إلى ذلك، هناك أبحاث مكثفة لتطوير أغشية تناضح عكسي أكثر كفاءة تتطلب ضغطًا أقل، وبالتالي طاقة أقل. أما بالنسبة للمحلول الملحي، فيتم استكشاف طرق "التصريف الصفري للسائل" (Zero Liquid Discharge)، حيث تتم معالجة المحلول الملحي لاستخلاص الأملاح والمعادن القيمة (مثل المغنيسيوم والليثيوم) تجاريًا، وتحويل ما كان يعتبر نفاية إلى مورد اقتصادي. وتعمل مؤسسات بحثية رائدة مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (KAUST) على تطوير هذه التقنيات المتقدمة.

النمو المتوقع للقدرة الإنتاجية لتحلية المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

كيف يختلف الماء المحلى عن الماء الطبيعي، وهل هو آمن للشرب؟

المياه الناتجة عن عملية التحلية، خاصة التناضح العكسي، تكون نقية جدًا، لدرجة أنها تفتقر إلى المعادن الأساسية الموجودة بشكل طبيعي في مياه الينابيع أو الآبار. هذا الماء "اللين" ليس مثاليًا للشرب من الناحية الصحية وقد يكون له طعم غير مستساغ. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون له تأثير تآكلي على أنابيب شبكات التوزيع.

لهذا السبب، فإن جميع المياه المحلاة تخضع لعملية "إعادة التمعدن" (Remineralization) قبل ضخها للمستهلكين. في هذه المرحلة، يتم إضافة مركبات الكالسيوم والمغنيسيوم وغيرها من المعادن الأساسية بكميات مدروسة لضبط قلوية الماء وطعمه وقيمته الغذائية. بعد هذه المعالجة، تصبح المياه المحلاة آمنة تمامًا للشرب وتتوافق مع جميع المعايير والمواصفات التي تضعها منظمة الصحة العالمية والهيئات الصحية المحلية، بل إنها غالبًا ما تكون ذات جودة أعلى وأكثر اتساقًا من العديد من مصادر المياه الطبيعية التي قد تكون عرضة للتلوث.

أسئلة شائعة

ما هي أكبر محطة لتحلية المياه في العالم؟

حاليًا، تعتبر محطة رأس الخير في المملكة العربية السعودية من أكبر محطات تحلية المياه في العالم، حيث تستخدم تقنية هجينة تجمع بين التناضح العكسي والتقطير الومضي متعدد المراحل. ومع ذلك، هناك مشاريع قيد الإنشاء مثل محطة الطويلة في أبوظبي ومشاريع أخرى في دبي والسعودية تتنافس على هذا اللقب بقدرات إنتاجية ضخمة.

هل يؤثر المحلول الملحي على الحياة البحرية؟

نعم، يمكن أن يكون له تأثير ضار كبير إذا لم تتم إدارته بشكل صحيح. المحلول الملحي يزيد من ملوحة المياه الساحلية، مما يسبب إجهادًا للكائنات البحرية التي لم تتكيف مع هذه الظروف. كما أن درجة حرارته المرتفعة والمواد الكيميائية التي قد يحتوي عليها يمكن أن تضر بالشعاب المرجانية، والأسماك الصغيرة، واليرقات البحرية.

هل يمكن استخدام الطاقة الشمسية في تحلية المياه؟

بالتأكيد، وهذا هو أحد أكثر التوجهات الواعدة في الصناعة. يُعرف هذا باسم "التحلية الشمسية". المشاريع الحديثة تتجه بشكل متزايد لدمج مزارع الطاقة الشمسية الكهروضوئية لتزويد محطات التناضح العكسي بالكهرباء النظيفة، مما يقلل بشكل كبير من البصمة البيئية والتكلفة التشغيلية على المدى الطويل.

ما هي الدول الأكثر اعتماداً على تحلية المياه؟

تتصدر دول مجلس التعاون الخليجي القائمة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت. كما أن دولًا أخرى في المنطقة مثل إسرائيل والبحرين وقطر تعتمد بشكل كبير على المياه المحلاة. على الصعيد العالمي، بدأت دول أخرى تعاني من الجفاف مثل أستراليا وإسبانيا وولاية كاليفورنيا الأمريكية في زيادة استثماراتها في هذه التقنية.

كم تبلغ تكلفة بناء محطة تحلية مياه؟

تتفاوت التكاليف بشكل كبير اعتمادًا على حجم المحطة، والتقنية المستخدمة، والموقع، والبنية التحتية المطلوبة. يمكن أن تتراوح تكلفة محطة صغيرة من عشرات الملايين من الدولارات، بينما تصل تكلفة المحطات العملاقة مثل التي تبنى في منطقة الخليج إلى عدة مليارات من الدولارات الأمريكية.

كيف وصلك هذا؟

مزيد من هذا الكاتبكريم الهاشمي

أبحاث مختارة